عطاء من القلب

 
في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام أغلب المراهقين على الانتهاء من الدراسة الثانوية واختيار الجامعة التي يريدون أن يرتادوها، كان "زيد" منشغلا أيضا بوضعه الصعب، فقد كان يهتم بأمه التي كانت تعاني من مرض السرطان في مرحلة حرجة.
 
قضى زيد ساعات طويلة في مركز الحسين للسرطان كل يوم بجانب أمه وهي تتلقى العلاج، يحاول جاهداً تشجيعها ورفع معنوياتها، ولكن وبالرغم من كل الجهود فقد توفيت أمه في ربيع عام 2008.
 
وبالرغم من خسارته الكبيرة، إلا أن الوقت الذي قضاه زيد في المركز منحه الفرصة لمساعدة مرضى أخرين في كفاحهم ضد مرض السرطان، وبعد شهرين من وفاة أمه، عاد زيد إلى المركز كمتطوع. يقول زيد: "إن رؤية مدى الإكتئاب الذي كانت تشعر به أمي، والوجود حول مرضى السرطان جعلني أدرك أهمية رفع معنوياتهم وضرورة حصولهم على الدعم ممن حولهم وأن يشعروا بأنهم ليسوا وحيدين في معركتهم. حيث أن المرضى غالباً ما يستجيبون للعلاج بشكل أفضل إذا ما كانت معنوياتهم مرتفعة."
 
سمع زيد عن برنامج "سوار" للمتطوعين التابع لمؤسسة الحسين للسرطان، وقام بالتسجيل فيه على الفور وبدأ بالتطوع في المخيم الصيفي للأطفال المرضى من مركز الحسين للسرطان. يقول زيد: "لقد كان الأمر صعبا جدا في البداية، حيث أن وجودي في المركز جعلني أذكر الساعات التي قضيتها مع أمي، وبالرغم من هذا فقد ذهبت وأصريت على مساعدة مرضى السرطان تكريماً لروح أمي."
 
منذ ذلك الوقت أصبح زيد أحد أكثر المتطوعين التزاماً، يساعد في المخيم الصيفي وحملة الزكاة في كل عام، وما زال يتابع تقديم أعماله التطوعية في المركز ويحرص على قضاء الوقت في قسم الأطفال حتى لا يشعر المرضى الصغار بالعزلة والوحدة. "على المجتمع أن يقدم كل ما يستطيع لدعم المرضى، ليس فقط مادياً بل وعاطفياً أيضاً" يقول زيد، ويتابع: "معظم الأطفال المرضى كانوا يأتون إلى المركز تحديداً للمشاركة في المخيم الصيفي، حتى لو لم تكن لديهم أي مراجعة، فقط حتى يستمتعوا بالمخيم وأنشطته العديدة، وهذا يثبت كم من الضروري منح مرضى السرطان القوة والدافع للاستمرار في كفاحهم."
 
كما كان زيد أحد المتطوعين الذين تم اختيارهم من قبل المؤسسة لمرافقة مجموعة من الأطفال المرضى إلى إيطاليا للمشاركة في مخيم داينمو (Dynamo Camp) وهو مخيم صمم خصيصاً للأطفال المرضى الذين يحتاجون إلى نقاهة من العلاج الطويل. يقول زيد حول المخيم: "إن مشاهدة الأطفال وهم يكسبون الكثير من الثقة بالنفس كان أهم شيء في المخيم بالنسبة لي، كما حصلنا على العديد من الأفكار المبدعة لنشاطات مختلفة يمكننا تطبيقها عند العودة إلى وطننا لمساعدة مجموعة أكبر من الأطفال المرضى بالسرطان. لقد جعلتني هذه التجربة أشعر بالطاقة والحماس، واكتشفت أنني أنا أيضاً اكتسبت ثقة بنفسي!"
 
لم يكن حب مساعدة المرضى فقط هو ما اكتسبه زيد من خلال وجوده مع أمه في المركز، بل أصبح أيضاً مهتما بالناحية الطبية من علاج السرطان. يقول زيد: "لم أفكر يوماً أن أدرس أي مساق علمي، ولكن بعد اطّلاعي على الأداء الرائع للطاقم الطبي في المركز والذي ينقذ حياة المرضى، أصبحت ملهماً بالسعي لبناء مستقبل في هذا المجال. لقد غير مرض أمي وارتباطي بمركز الحسين للسرطان حياتي تماماً."
 
زيد الآن في السنة الثالثة من دراسة الطب الصيدلي في الجامعة الأردنية، وهو يعمل كصيدلي مقيم في قسم الأطفال في مركز الحسين للسرطان. "أداوم هناك حالياً مرة واحدة في الأسبوع، وحيث أن الأطفال معتادون على رؤيتي هناك فهم يتوقعون مني أن ألعب معهم طوال الوقت، ولكنني أشرح لهم أنني أعمل في هذا اليوم وأنني سألعب معهم في الأيام الأخرى!"
 
"لقد بدأت بالتطوع كطريقة لرد الجميل للمجتمع ولتكريم ذكرى أمي، ولكن التطوع جعل مني شخصاً أكثر قوة وسعادة. بمجرد معرفتي أنني في يوم ما ساعدت في جعل أحد المرضى أكثر سعادة وإشراقاً، أو رؤيتهم يضحكون ويبتسمون أشعر بسعادة بالغة. لقد تعلمت أن التطوع ليس فقط عن العطاء، بل هو عن الأخذ أيضاً."