وسام... صداقة طول العمر

 
وسام طفل تجاوز العاشرة بقليل، أصيب بورم في الدماغ قرابة عيد ميلاده الثامن، فبعد أن لاحظت والدته أن التعب والأرهاق باتا يلازمانه ليل نهار، استجابت لغريزتها، وباتت تبحث لدى الأطباء عن إجابة تطمئنها عن صحة ابنها.
بعد أن تم تشخيص إصابة وسام، آثر أهله إخفاء الخبر عنه تماماً، نظراً لما يتصف به من إحساس رقيق، وبدأ بالخضوع لجلسات العلاج الكيماوي تبعتها جلسات من العلاج الإشعاعي في مركز الحسين للسرطان. إلا أن إصابته تركت في نفسه أثراًً عميقاً استمر حتى بعد استجابته للعلاج وتماثله للشفاء بحمد الله.
 
ما لم يعلمه وسام في البدء أيضاً، بأنه سيركب الطائرة قبل أي من إخوته الخمس، وسيحلق لمدينة تبعد عن عمان 2500 كم؛ مدينة لطالما تشبثت بتاريخها وتراثها، إلا أنها كانت قادرة على قلب حياة وسام رأساً على عقب.
اختير وسام للمشاركة في مخيم داينمو في مدينة توسكاني في إيطاليا، بعد أن بات الحزن لا يفارق ملامح وجهه، ليكون بين 30 طفلاً أنهوا علاجهم وشاركوا في هذا المخيم الذي منحهم ذكريات رائعة حفرت في الذاكرة ولن تمحى أبداً، إذ أن مؤسسة الحسين للسرطان لا تنأى عن توفير الرعاية لمرضاها، وإيلاء الأهمية للنواحي النفسية لكل مريض حتى بعد تماثله للشفاء.
 
وفي المطار، ما أن ودع وسام أهله حتى بدأت دموعه بالانهيار، دون توقف، فهو الطفل الهاديء الذي لم يبعد عن حضن أمه يوماً. في تلك اللحظة بالتحديد بدأت صداقة وسام وثائر، ثائر المتطوع الذي تم اختياره مع فريق من الأطباء وموظفي المؤسسة للمشاركة في مخيم داينمو ورعاية الأطفال، نظراً لما يتمتع به من حسٍ عالٍ بالمسؤولية، وقدرةٍ مدهشةٍ على التواصل مع الأطفال.
لم يعلم وسام وثائر أن هناك شيئاً مشتركاً بينهما، فكلا منهما عنيد في كفاحه، وسام في كفاحه ضد مرض السرطان، وشفائه منه، وثائر في عدم الاستسلام والإصرار على أن يجعل من المخيم تجربة رائعة لا ينساها وسام طيلة حياته.
 
يقول ثائر: "إن اختياري للتطوع في مؤسسة الحسين للسرطان ينبع من دراستي للطب ومعرفتي بأن العامل النفسي أمر أساسي في العلاج والشفاء، ولمعرفتي بأن رفع معنويات مرضى السرطان له أطيب الأثر على رحلتهم الطويلة والصعبة."
 
في الأيام الأولى من المخيم، كان وسام لا يفكر سوى بشوقه لأهله وكانت دموعه تتساقط بين الحين والآخر، ورفض كل المحاولات لإقناعه بتناول الطعام، أو بالانخراط مع زملائه في اللعب ومشاركتهم في جميع الأنشطة الممتعة، إلا أن إصرار ثائر ومحاولاته المستمرة لرفع معنويات وسام ومحاولة إقناعه بأن يخلع الطاقية التي فضل ارتدائها في البدء لتكون حاجزاً بينه وبين غيره من الأطفال في المخيم، نجحت أخيراً، ليشهد جميع المشاركين في المخيم على ما قدمته مؤسسة الحسين للسرطان لوسام، فأصبح الطفل الخجول يختار شرب حليب الشوكولاتة تحديداً عند وجبة الفطور، ويعبر عن رغبته في امتطاء الخيل شوطاً إضافياً، ولا يريد الخروج من البركة أوالتوقف عن السباحة إلا إذا ما أخذ وعداً من المشرفين بالعودة في اليوم التالي، كما لم تتوقف أسئلته لمهرج السيرك في المخيم، تارة عن سبب احمرار أنفه وكبر حجمه، وتارة عن شعره الأزغب.
 
كوّن وسام صداقات كثيرة، إلا أن صداقته الأكبر كانت مع ثائر الذي يكبره بعشرة أعوام، فقد تركت بقية أيام المخيم أطيب الأثر على نفسية وسام، وعلى الرغم من تعلقه واشتياقه الشديد لأهله إلا أنه أراد لهذه الرحلة أن تطول أكثر، فلا زال جسمه الصغير مليئاً بحيوية وطاقة غابت عنه منذ مدة، كما لازال يرغب في تعلم المزيد ورؤية المزيد.
 
لم تصدق والدة وسام وأخوانه ما شاهدوه من تغيير في حالة وسام النفسية منذ الدقيقة الأولى لدى وصوله للمطار، فقد كان وسام يتراقص في المطار فرحاً وهو يعرّف أهله على أصدقائه الجدد. تقول والدة وسام: "لقد ولد طفلي من جديد، لم يعد يختبىء وراء خجله بل أصبح أكثر انطلاقاً وحباً للحياة، فالشكر كل الشكر لمؤسسة الحسين للسرطان لمنحها ابني هذا الكم الهائل من الذكريات الرائعة".