" لا بد بعد الظلمة من طلعة الفجر "

 
أحداث وظروف يمكن أن تتخيلها فقط في فيلم سينمائي حزين، فلا يتوقع أحد أنه من الممكن لإنسانة متميزة وناجحة في حياتها أن تتعرض لكل هذه الظروف، وتبقى رغم كل ما مرت به إنسانة قوية وصامدة تساعد الجميع وترسم للعديد من الأشخاص أفكاراً جديدة للحياة.
 
أسماء، الطبيبة العراقية المميزة التي كانت تعيش أحلى أيام حياتها مع زوجها الطبيب في العراق، حتى بدأت الحرب واضطرا للمغادرة إلى الأردن حفاظا على أرواحهما، وبدآ هناك حياة جديدة، منشغلين بالعمل بمستشفى في جنوب عمان، ومساعدة المرضى من خلال خبرتهما وشغفهما في مجال الطب. في عام 2003 عاد زوج أسماء إلى العراق للإطمئنان على أهله وعائلته بينما بقيت هي في الأردن تزاول عملها، وحدث ما لم يكن متوقعا، فقد تلقت أسماء هاتفا خلال عملها يخبرها أن زوجها قد اغتيل على أيدي مجهولين!
 
"لم أصدق الخبر، ذهلت وصدمت وأصريت على الذهاب إلى بغداد لرؤيته بنفسي، مع أن أهلي حذروني من الذهاب خوفاً من تعرضي أنا أيضاً للإغتيال، ولكنني ما كنت لأصدق وفاته دون رؤيته. هذا اليوم غير حياتي، فقد خسرت زوجي ورفيقي وصديقي، كان هو كل حياتي، فنحن لم نرزق بأبناء، ولم يكن لنا سوى بعض."
 
لم تكد تمر ثلاث سنوات على مصيبة فقدان زوجها حتى جاءت مصيبة أخرى، فقد بدأت أختها التي ما زالت عروس جديدة بالشعور بالتعب، فطلبت منها المجيء إلى الأردن لإجراء بعض الفحوصات تحت رقابتها، وكانت الصدمة، فقد تم تشخيص أختها الصغرى باللوكيميا، ولم تعد إلى بغداد أبداً. استمرت معركة أختها مع السرطان عامين كاملين، كانت في منزلها تشرف عليها ليلاً بينما يشرف زوجها عليها نهاراً، لقد عاشت معاناتها يوما بيوم، وكونها طبيبة، فقد كانت تعرف ما الذي ينتظرها، حتى عندما فقدت أختها البصر كليا. استسلمت أختها أخيراً وخسرت معركتها مع السرطان، كل هذا بالقرب منها وتحت أعينها.
 
بعدها بفترة صغيرة أصيبت أخت أسماء الكبرى بفشل كلوي، وجاءت أيضاً إلى عمان للعلاج، وقد بقيت في منزل أسماء لمدة ستة أشهر، تشرف عليها وترعاها، ولكنها عادت بعد ذلك للعراق لما كان من وجودها عبئا على أختها، واحتاجت لأن تعود بين أطفالها.
 
في عام 2008، خططت أسماء لإجراء الفحص الروتيني لسرطان الثدي، فقد كان لوفاة أختها بالسرطان وقعاً كبيراً جعلها تحرص على إجراء الفحوصات الدورية. وبمحض الصدفة، كانت المستشفى التي تعمل فيها أسماء قد ابتاعت جهاز ماموغرام جديد، وقالت على طريق المزح :"ألا تحتاجون إلى أحد لتجربة الجهاز الجديد؟ هيا، جربوه عليّ!" أجرت أسماء الفحص وذهبت لاستكمال عملها وإذا بطبيب الأشعة يهاتفها ويطلب منها الحضور إلى عيادته.
 
مفاجأة جديدة في حياة أسماء، فقد أخبرها الطبيب أن لديها ورم في الثدي، وتحتاج لبدء العلاج فورا لأنه كان ورماً خبيثاً. لم تصدق أسماء هذه الأخبار، فهي لم تشعر بأي أعراض ولم ترى أي كتل أو نتوءات، فقامت بعمل خزعة وتحقق الأمر، عليها أن تزيل الورم فوراً!
 
بدأت أسماء العلاج في مركز الحسين للسرطان، وبعد الجراحة التي تم خلالها إزالة الورم والثدي بشكل كامل، احتاجت للخضوع إلى أربع جلسات من العلاج الكيماوي بين كل جلسة والأخرى ثلاثة أسابيع. تقول أسماء عن هذه الفترة: "عادت إلى مخيلتي صورة أختي ومعاناتها، إلا أنني كنت وحيدة، كانت أيامي سيئة وكانت الأعراض صعبة جدا، وكأنني خارج العالم، أعاني لوحدي وأحقن نفسي بالدواء، دوار وغثيان مستمرين، لا أشعر بالوقت أو الحياة، لا أعرف كيف مرت هذه الأيام، وكلما تذكرتها أشعر أنها حصلت بالأمس."
 
انتهت جلسات العلاج، وبدل أن يصبح حالها أفضل، فقد دخلت أسماء في حالة اكتئاب شديدة، تذكرت زوجها وأخواتها ومعاناتها مع العلاج، ووالدتها الكبيرة في السن التي كانت حزينة عليها، لم تشعر بأي رغبة في الحياة وطلبت الموت. أشار عليها أفراد عائلتها بأخذ إجازة والسفر، وفعلت، ولكن شيئاً لم يتغير.
 
حتى جاء اليوم الذي تم تحويلها إلى قسم العمل النفسي والإجتماعي في مركز الحسين للسرطان، والذي يعمل على دعم الناحية النفسية والإجتماعية للمرضى من قبل فريق متخصص يساعد المرضى على الخروج من حالة الإكتئاب والإقبال على الحياة مجدداً، ضمن المنهجية الشمولية التي يتبعها المركز في تقديم العلاج الجسدي والروحاني لمرضاه.
 
 
"يوم مقتل زوجي ويوم ذهابي إلى قسم العمل النفسي والإجتماعي في مركز الحسين للسرطان هما اليومان اللذان غيرا حياتي إلى الأبد."
 
تم إعطاء أسماء أدوية لمساعدتها على تخطي مرحلة الإكتئاب، بالإضافة إلى الجلسات الحوارية التي تحثها على التفكير الإيجابي، ولكنها رفضت أخذ الدواء خوفاً على مرضاها. "أنا طبيبة تخدير، وخفت أن تؤثر هذه الأدوية على تركيزي عند علاج مرضاي، فأخبرت مشرف العمل الإجتماعي بهذا الموضوع وقد تفهم الأمر."
 
"هنا بدأت حياتي من جديد، وقررت أن أعود الطبيبة أسماء، المميزة المحبوبة التي تحب مساعدة الناس وتحب الحياة، بدأت أتابع الجلسات مع قسم العمل النفسي والإجتماعي في المركز، وحضور جلسات الدعم مع النساء اللواتي مررن بظروف مشابهة لظروفي، وسجلت في العديد من الدورات عن الطاقة الإيجابية والبرمجة العصبية، وفي هذه الفترة تعرفت على "جمعية نساء ضد العنف" وأصبحت عضواً في الجمعية التي تعنى بتوعية النساء ومساعدتهن لمواجهة العنف بمختلف أشكاله، عملنا كثيراً حتى أطلقنا أول مؤتمر رسمي في كاون أول 2010."
 
" اليوم، عندما أرى نساء يعانين من العنف أو الإرهاب أو المرض، أخبرهن بقصتي، فقد واجهت كل هذه الظروف، ولكنني بالرغم من صعوبتها عدت لأساعد غيري وأحفز النساء على عدم الإستسلام. عملي التطوعي غير حياتي، فقد جعل مني إنسانة أفضل تخطت الظروف، وأصبح لدي العديد من الصديقات، نقضي معا أوقاتاً جميلة في مساعدة الآخرين."