إبتسامة سامي تملؤها الحياة!

 
لا يمكن لمن يرى سامي إلا أن يلاحظ إبتسامته الكبيرة التي لا تفارق وجهه، ولا تعطي أي انطباع أن مثل هذه الابتسامة ممكن أن تكون مرتبطة بجسد أعياه العلاج لمدة تزيد عن عشر سنوات، وتركت العمليات الجراحية الكثير من الندوب والعلامات على جسده الهزيل.
 
فقد بدأ سامي عام 2000 يشتكي من الوجع في أسفل بطنه وراجع الطبيب الذي أعطاه أدوية مسكنة وطلب منه الإكثار من شرب الماء، ولكن الوضع ازداد سوءاً يوما بعد يوم، حتى اهتدى إلى طبيب طلب منه أن يقوم بعمل فحوصات شاملة تتضمن صورة طبقية وتنظير وأخذ خزعة لاشتباه وجود بعض التكتلات في المثانة. عندما ذهب سامي لاستلام نتائج الفحوصات قال لفني المختبر: "أريد أن أستلم فحوصات باسم سامي"، فقال له: "هذا المريض مصاب بالسرطان وقد جاء بعض أقاربه واستلموا النتائج!"
 
عرف سامي أن أخاه الأكبر وابنه هما من استلما النتيجة، فتوجه إلى بيت أخيه ولم يمتلكه أي شعور بالحزن أو الرهبة، فهو مؤمن تماما بأن كل شيء قضاء وقدر. يقول سامي: "عندما سمعت بالنتيجة قلت في نفسي، الحمد لله، ومضيت."
 
انتشر الخبر في العائلة، وبدأ أحد إخوة سامي القاطنين في الخارج بمحاولة إقناعه بالسفر للعلاج، لكنه اختار العلاج في مركز الحسين للسرطان لثقته الكبيرة فيه، ولما سمعه عن العلاج الشمولي المتطور الذي يقدمه المركز والذي يرتقي إلى مستوى الخدمات في أبرز مراكز علاج السرطان في العالم، كما تشهد عليه الإعتمادات العديدة التي تزين إنجازات ومعايير المركز المختلفة.
 
لم يكن سامي قد أخبر زوجته وأولاده بعد، فقد كان ينتظر أن ينتهي ابنه من تقديم امتحانات الثانوية العامة، وعندما أخبر زوجته غضبت جدا وقالت: "ما أبرد أعصابك، كيف تخفي عني خبراً كهذا؟!" فقال لها: "إنه خبر ككل خبر، وكل شيء نصيب."
 
خضع سامي لعملية جراحية معقدة امتدت 17 ساعة واحتاجت للعديد من الأطباء من مختلف التخصصات، فقد كانت هناك العديد من الكتل السرطانية في المثانة بالإضافة لتضخم البروستات الشديد وكانت إحدى كليتيه لا تعمل بشكل جيد، وفتحت له فتحات جانبية لإخراج البول. بعد العملية بسنة ونصف اضطر سامي لاستئصال إحدى كليتيه عبر شق كبير في ظهره، وبعد سنة اضطر لاستئصال المرارة التي كانت متضخمة بشكل كبير عبر شق في بطنه. بعد هذه العمليات خضع سامي للعلاج الكيماوي الذي كان قد رفضه من قبل، ونزل وزنه من 85 إلى 45 كلغم واعتقد الجميع أن هذه هي النهاية، ولكنها كانت البداية لحياة مليئة بالعطاء.
 
"كنت أرى العديد من المرضى الخائفين والرافضين للعلاج والغاضبين وغيرهم، فكنت أجلس معهم أشجعهم وأملؤهم بالعزيمة، وكلما نظر إليّ مريض غير مقتنع بكلامي، كنت أريه الندوب مكان العمليات الجراحية التي ملأت بطني وظهري وأريه الأكياس الخارجية التي أصبحت جزءأ من حياتي، محاولاً أن أقول: لقد عانيت الكثير ولكني لم أفقد عزيمتي يوماً."
 
بعدها، بدأ المرضى وحتى الأطباء وطواقم التمريض يستدعون سامي كلما احتاجوا لمن يرفع من معنوياتهم أو يساعدهم في تعليم المرضى الذين يعانون من نفس مشكلته كيفية تركيب الأكياس وقواعدها، فأصبح يساعد الجميع ويعلمهم، حتى قال يوماً للأطباء مازحاً: "إذا بقي الوضع على هذا الحال ستضطرون لإعطائي عمولة عن كل مريض!"
 
ثم انتشر صيت سامي، وأصبح المرضى من مختلف المستشفيات يسألون عنه ليعلمهم كيف يقومون بأنفسهم بتركيب الأكياس وفكها واستبدالها، وكان لا يتردد لحظة في مساعدة أي كان وأينما كان. يقول سامي: "هنا تأكدت أن كل شيء يحدث لسبب، فربما حصل معي ما حصل لأتمكن من مساعدة أولئك المرضى الذين لم يجدون من يشعر بهم ويساعدهم، وكوني كنت أنا حاملاً لهذا الكيس، فقد كان المرضى يشعرون بالأمان والطمأنينة."
 
"لقد عانيت لأكثر من عشر سنوات، فقد خضعت للعديد من العمليات الجراحية التي تركت الكثير من الندوب، كما عانيت من العلاج الكيماوي وأعراضه الجانبية، وأصبت بمرض السكري وما زلت أحمل الكيس أينما ذهبت، ولكن عزيمتي لم تمرض يوماُ واحداً."
 
تقاعد سامي من عمله، ولكنه لم يتمكن من الجلوس في المنزل، فبجانب تلبيته لمساعدة المرضى في كل مكان، يعمل سامي الآن كسائق لشاحنة نقل على طريق العقبة ليثبت أنه بالمعنويات المرتفعة والعزيمة يمكن أن نهزم السرطان. "لا أقول أنني لم أحزن أو أخف في يوم، ولكني كنت مسلما أمري لله وأعيش حياتي عبر المرضى الذين أساعدهم."
 
إبتسامته المليئة بالحب والعطاء هي التي تمنح سامي الإرادة اللازمة للتمسك بالحياة والاستمرار في مساعدة الناس، فهو لم يتوانى يوماً عن مساعدة أي مريض بحاجته، لأنه يعلم خير علم أن العطاء يعود بالخير على الجميع، بما فيهم المعطي نفسه.